بدون مجاملة

الشعبي يكتب: شعب طنجة العظيم

كنت دوما أشعر أن هناك شيئا ما يجذبني إلى هذه المدينة الجميلة.. كنت أشعر أن أمرا ما سيحدث يوما ما.. هذا إحساس كان ينتابني بين الفينة والأخرى خلال زياراتي المتكررة في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، من أجل الراحة والاستراحة ولو لفترات قصيرة كانت تمر كلمح بصر.

إعجابي اللامحدود كان مزدوجا، إعجاب بالأرض التي قيل فيها ما لم يقل في غيرها من طرف العرب والعجم والأمازيغ، وإعجاب ثان بأهل الأرض الذين كانوا يختلفون في كل شيء عن باقي شعوب الوطن.

عندما خرجوا للاحتجاج في سنة 1984، خرجوا بشكل أبهر المتتبعين للشأن الاحتجاجي بالمغرب، تميزهم هذا استثناهم من سخط الملك الراحل الحسن الثاني، الذي ألقى خطابا قويا نعت فيه أهل الشمال، وخاصة أهل الحسيمة وتطوان والقصر الكبير بـ “الأوباش” وهو وصف مرفوض أخلاقيا وسياسيا.

في زمن الحراك العربي، وخاصة حركة 20 فبراير، كنت أتابع مسيراتهم الاحتجاجية كعضو بلجنة الإعلام التي تقوم بتغطية الاحتجاجات عبر ربوع الوطن، احتجاجات فاقت كل التوقعات في العدد والشعارات القوية التي كانت تندد، على غرار مثيلاتها في باقي المدن المغربية بالفساد والاستبداد وتطالب بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.

نموذجان احتجاجيان  قرباني بشكل كبير من أهل الشمال وخاصة ساكنة عروس المملكة.. بعد استقراري بطنجة في الأيام الأولى لخريف 2012 كمسؤول عن الإعلام والاتصال، ازداد اعجابي وتقلصت المسافات بيني وبين شبابها وإعلامييها ومجتمعها المدني والسياسي والاقتصادي النشيط.

كنت سعيدا جدا بمشاركة أبناء الشمال لقاءاتهم الشبابية والإعلامية والثقافية، سواء في المدن الكبرى أو باقي المدن الصغرى التي تسبح في ملكوت جهة طنجة – تطوان – الحسيمة، بل كنت في بعض الأحيان، بدافع الحس الحقوقي والنضالي الذي لا يفارقني، أساهم في بعض الوقفات أو المسيرات الاحتجاجية الشعبية كمواطن وكمتضرر من السياسات العمومية اللاشعبية المتبعة، كمشاركتي غير ما مرة في مسيرات الشموع التي أبدعتها ساكنة طنجة ضد غلاء فاتورات “أمانديس”.

مسيرات أثارت وأثَّرت في الحاضر والغائب من المغاربة، كما أزعجت وأغضبت الحكام، الأمر الذي دفع رئيس الدولة، وهو خارج الوطن، ليوقظ رئيس الحكومة آنذاك في فجر يوم ممطر من سباته السياسي ليعاتبه على ما يجري في مدينة النضال، ويأمره بالتوجه في يوم أحد شتوي إلى العالية طنجة.

كنت دوما أشعر، أنا الوافد الجديد من المركز، أنني ابن الشمال، ابن العالية طنجة.. كنت أعتقد ومازلت، أنه لو أجريت لي اختبارات وراثية، لاكتشفوا أن هناك جينات وراثية آتية من الأرض التي انطلق منها طارق ابن زياد لفتح الأندلس، وإلا لماذا كل هذا الانجذاب لهذا الجزء العالي من الوطن؟

ما أدركه اليوم، أن علامات العشق بدأت تخفي مراحل الحب والإعجاب الأولي، خاصة مع السنوات الطويلة التي قضيتها بين أهل  الشمال عموما وشعب طنجة العظيم على الخصوص، تقاسمنا خلالها اجتهادات ومبادرات ومساهمات إعلامية وفكرية وجمعوية، قوت علاقاتي المهنية والإنسانية مع شباب وإعلاميي “ذات البحرين”، إلى أن قضى الله أمرا كان مكتوبا، وجاء قرار “الإبعاد” عن الجهة وعن المدينة مفاجئا وصادما.. قرار إداري بارد، أربك، بل دمر ذلك الحلم الإعلامي الجميل الذي بدأ يكبر بالجهة وخاصة بطنجة، قرار تواطأ فيه المركز مع الجهة لوأد تجربة بين الشعبي وشعب الشمال.

لكن عزائي الوحيد بعد هذا القرار الذي اعتُبر ظالما وجائرا من طرف أحرار الشمال وشرفاء طنجة، كان يكمن في الرد القوي والغاضب للأصدقاء والزملاء، وكذا  لمختلف المنظمات والهيئات المهنية والحقوقية والثقافية والرياضية، وهنا أتذكر ما قاله لي الصديق والزميل عبد الله البقالي، رئيس النقابة الوطنية للصحافة المغربية ببيت الصحافة بطنجة، أمام ثلة من الزملاء الصحافيين: “لقد تتبعت الغضب الكبير لأهل الشمال على إبعادك من الجهة وأنا أيضا أعبر لك عن غضبي وأتضامن معك “.

ما يؤلمني صراحة، هو أن هناك من يظهر الولاء والطاعة لعاهل البلاد بالنهار ويقوم بتقويض سياسته الجهوية بالليل.

أنحني إجلالا وتقديرا لكل أبناء الشمال ولأهل عروس الشمال ولكل الأصدقاء و الزملاء في كل مكان الذين ساعدوني ودعموني ونصروني على الظالمين.

 

اترك تعليقك حول الموضوع

Google Analytics Alternative
إغلاق