لكم الكلمة

محددات الهجرة من “مغرب الاستثناء”..

أسالت موجة الهجرة الجماعية التي يعرفها المغرب مداد الكثيرين، صحافيين وإعلاميين ومهتمين.. في محاولة منهم لنقل الأحداث المرتبطة بها للمغاربة من جهة، و إشراك المغاربة في الإدلاء بآرائهم حول هذه الظاهرة من قبيل تشخيص أعراضها وأسبابها، مع محاولة صياغة أجوبة كفيلة بإنهاء هذا النزيف القاتل من جهة أخرى.
لقد تبيّن من خلال وسائل الإعلام أن موجة الهجرة هذه استثنائية بكل المقاييس، فهي لم تعد مُقتَصَرة على الشباب كما كانت سابقا بل تعدّى الأمر إلى كل الفئات العمرية من كلا الجنسين أطفالا وشيوخا نساء ورجالا، .. وهذا أمر يحتاج حقا إلى وقفة هادئة لتحديد محددات وأسباب هذا المشكل الذي يهدد ديمغرافية البلد وأشياء أخرى.
هذه المقالة مساهمة متواضعة في النقاش الدائر حول الهجرة، سنحاول من خلالها الكشف عن محددات فعل الهجرة بالمغرب، أي الوقوف عند العوامل والأسباب المساعدة والمؤطرة لها.
 المعروف أن ازدياد حدة ونسبة الهجرة مرتبطة أساسا بالصراعات الدموية والطائفية داخل بلد معين، حيث يضطر بعض المواطنين إلى الانتقال؛ بالرغم منهم؛ بعيدا عن بؤر التوتر والصراع درءا لمخاطر الصراع وجلبا لفوائد الاستقرار. لكن أثبتت الحالة المغربية عكس ذلك تماما، إذ رغم حالة “الاستقرار الاستثنائية” التي بعيشها المغرب على المستوى الداخلي، حيث غياب الاقتتالات والصراعات بشكل نهائي. إلا أن المغاربة يصطفون تباعا على شواطئ المملكة رغبة في مغادرة البلاد في مشهد دراماتيكي محزن. السؤال الذي يُطرح هاهنا هو: ما الذي جعل المغاربة يهاجرون وطنهم أولا وأخيرا؟
سنحاول الإجابة عن هذا السؤال المركزي انطلاقا من أربعة عناصر نراها محددات أساسية وجوهرية لهجرة المغاربة، وهي كالتالي:
** المحدد الإقتصادي:
يشهد المغرب تراجعا كبيرا على مستوى الإقتصادي، حيث تراجع الاستثمار بشكل كبير، وارتباط الإنتاج الفلاحي؛ أشد ما يكون الارتباط؛ بانتظام التساقطات المطرية، أي أنه متعلق بالرحمة الإلهية وليس قائما على استراتيجية تحددها الدولة، كما أن السياحة تعرف تراجعا مهولا بسبب غياب الخدمات الأساسية وكذا التجهيزات الضرورية من قبيل: النقل، الفناديق، شبكة الاتصالات، غلاء الأسعار…، كما أن الصناعة التحويلية تشهد بدورها تراجعا بسبب المنافسة الأجنبية، هذا بالإضافة الى تركز رؤوس الأموال في يد فئة قليلة من المغاربة تتحكم في الإقتصاد المغربي وتسيطر على قطاعات بعينها رغم عدم أدائها لضرائب الدولة وما يشكله ذلك من تضييع ميزانية الدولة وتفريط في المداخيل التي من شأنها خلق مناصب للشغل من خلال استثمارها في قطاعات مهيكلة وأوراش كبرى تحقق كرامة وحرية المغاربة. هذا الأمر جعل المغاربة يفتقدون للشغل والعمل، كما جعلهم غرباء في وطنهم فهم يعيشون بدون كرامة في ضل تردي الأوضاع الإجتماعية وهي المحدد الثاني لظاهرة الهجرة.
    ** المحدد الإجتماعي:
 تتميز الأوضاع الإجتماعية بالمغرب بالتردي والتراجع، حيث البطالة منتشرة في أوساط الشباب حاملي الشواهد. كما أن الفقر والحاجة سيدا الموقف، إذ الإحصائيات والتقارير الإعلامية تظهر جاليا أوضاع بعض الأحياء الهامشية وكذا بعض القرى والمناطق في المغرب العميق. حيث غياب السكن اللائق وندرة الماء ومشاكل الربط الكهربائي والطرقات، هذا بالإضافة إلى الأثر السلبي الذي أحدثته سياسة خوصصة القطاعات الإجتماعية من قبيل الصحة والتعليم.. إذ المغاربة يعانون من جراء فرض رسوم على التطبيب وعلى التعليم خصوصا أمام عدم تمكنهم من الحصول على مناصب شغل قارة تجعل إمكانية الأداء ممكنة. هذا دون أن ننسى ارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية الضرورية.
كما أن إحصائيات المنظمات العالمية بخصوص التنمية البشرية، تبين أن المغرب يحتل مراتب متأخرة جدا. هذا الأمر يدفع المغاربة إلى الاحتجاج والاستنكار فتتعامل معهم الدولة بسياسة خاصة وهي المحدد الثالث.
   ** المحدد السياسي:
المشهد السياسية المغربي يعرف نكوصا قانونيا وحقوقيا خطيرا ينذر بعودة سنوات الرصاص وأكثر، حيث الاعتقالات العشوائية للمحتجين على تردي الأوضاع، وقمع الوقفات الاحتجاجية بقوة رهيبة قل نظيرها، بالإضافة إلى الأحكام الجائرة والتهم الباطلة في حق المطالبين بتحسين الأوضاع وتحقيق التنمية الحقيقية والمستدامة. كما أن غياب ثقة المغاربة في الأحزاب السياسية بسبب نفاقها وعدم أداء وظيفتها من جهة، وبسبب سيطرة الدولة العميقة على القرار الإستراتيجي وتحكمها في المشهد السياسي بجهاز التحكم عن بعد من جهة ثانية، ثم لا ننسى انتشار الفساد السياسي والإداري وتفشي الزبونية والمحسوبية والرشوة. هذه الأمور جعلت المغاربة يفقدون الأمل في المستقبل، وقد استقر اليأس في نفوسهم، وأصبحوا يعيشون نوعا من التيه والدواران. وتلك محدد رابع.
  ** المحدد النفسي:
 عانى المغاربة كثيرا من فشل النماذج التنموية، كما عانى الشباب من البطالة وتردي الخدمات وغياب الاهتمام.. ومع مرور الأيام والأزمات تحول حاضر المغاربة إلى جحيم أسود بدون مكاسب، كما جعل مستقبلهم غامضا بدون خريطة وبدون بوصلة. هذا رغم امكانيات الدولة المادية والثراواتية ..
 إن فشل الدولة في حل مشاكل المغاربة والاستجابة لانتظاراتهم الطموحة، جعلهم يدخلون حالة اليئس وفقدان الأمل في البلاد كلها. فاختاروا المغامرة/الموت كخيار أخير يمكن أن ينقذ ماء وجههم.. فكانت فكرة الهجرة بمثابة خلاص من هذا البلد القاسي.. لعلهم يجدون في بلد الآخرين ما يححقون به طموحاتهم.. أما والحال هكذا فإن تزايد نسب الهجرة سترتفع يوما بعد يوما.. لأن البلد الذي لا يُؤَمِّن مستقبل أبنائه ليس بلدا ولا حتى شيئا آخر..
المصدر
موقع 9 أبريل

اترك تعليقك حول الموضوع

Google Analytics Alternative
إغلاق