لكم الكلمة

نوارة وأسامة بيه…

نوارة وأسامة بيه…
شاهدت قبل أيام فيلما مصريا عنوانه “نوارة”، تم إنتاجه سنة 2015 (الفيلم من إخراج هالة خليل وبطولة منة شلبي ومحمود حميدة). تدور أحداث الفيلم ضمن السياق التاريخي لما بعيد ثورة 25 يناير 2011، حيث يوثق من خلال حركة شخصياته في زمن محدد وفضاءات مختارة بدقة، بعضا من صور تفاعل المجتمع المصري سيكولوجيا وذهنيا وسلوكيا مع حدث كان استثنائيا بجميع المقاييس. لن أناقش هذا العمل من زاوية نظر النقد السينمائي لأنني لست مؤهلا لذلك ابتداء؛ غير أن هناك ما شدني إلى أحداثه، في علاقة بما كان عليه الوضع قبل الربيع المصري وأثناءه وبعده، وصولا إلى اللحظة الراهنة التي تشهد تحولات درامية في مآلات المشهد برمته.
لقد كشفت الأيام الأولى لذاك الحراك الشعبي العارم عن فروق شاسعة في درجة الاستيعاب وكذا طبيعة ردود الفعل لدى مختلف فئات المجتمع هناك في مصر. وإنه لأمر طبيعي تماما، ماداموا لم يكونوا يوما، طوال عقود جمهورية ما بعد يوليوز 1952 على الأقل، على قلب رجل واحد. كانت هذه الحقيقة حاضرة بقوة على امتداد دقائق الفيلم التي تجاوزت المائة بقليل، من خلال رصد تفاعلات ذاتية وبينية لدى فئتين أساسيتين:
– فئة “المهمشين”: وقد جسدتها أساسا بطلة الفيلم “نوارة” باعتبارها رمزا للفئة الأكثر تمثيلية والأخفض صوتا داخل المجتمع. إنها الفئة التي ظلت تخوض معاركها اليومية ضد الفقر وأزمات السكن والنقل والشغل..، بعيدا عن ضجيج السياسة والسياسيين.
– فئة “المسؤولين القدامى”: وقد جسدها أساسا “أسامة بيه” عضو مجلس الشعب والوزير السابق، في إشارة إلى سياسيي/ كهنة مبارك و”الحزب الوطني” – ومن يدور في فلكهم من رجال الأعمال وغيرهم- الذين هيمنوا علي المناصب وراكموا الثروات وأفسدوا السياسة على مدى ثلاثة عقود كاملة.
لم يتوقف “المهمشون” بعد 25 يناير عن خوض معاركهم الحياتية المتوارثة جيلا بعد جيل، كما لم يتخلص “المسؤولون القدامى” عن وقاحتهم المعهودة. ماذا تغير إذن؟ هنا بيت القصيد.
إن واحدة من أهم المشاكل التي واجهت الربيع المصري- ومعه الربيع العربي كله – هي تلك المرتبطة بحجم الهوة القائمة بين فئتي قاعدة الهرم المجتمعي وقمته اقتصاديا واجتماعيا ونفسيا.. فصرخات الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية لم تستطع تعبئة الفئة الأولى بالكامل ولمدة طويلة، سواء داخل الميادين أو بعد مغادرتها، بحيث ظل ارتباطها بالربيع سطحيا وظرفيا وعابرا، يتأرجح تبعا لما يمكن أن يسقطه عن كواهل أفرادها من أعباء الصباح والمساء، بل إنها شكلت أحيانا رصيدا مهما وحاسما لصالح الثورة المضادة أيضا. لم يكن هؤلاء بالمحصلة ضد الثورة ولا معها، بل ظلوا على هوامشها من دون أي تأثير فعلي. صحيح أن كتلة مهمة منهم كانت مؤطرة بانضباط تام من لدن التيارات الإسلامية خصوصا، بعد أن شكلوا في مراحل سابقة رصيدا شعبيا هاما لدى تيارات اليسار العربي المتنوعة، لكن الغالبية صرخت وفرحت ورقصت حين طلب منها ذلك، وعلقت آمالا واسعة على رحيل مبارك وبداية “العهد الجديد”، ثم ما لبث بؤسها أن استعادها إلى بيت طاعته مكرهة، خاصة بعد أن علا صوت التكتيكات السياسية وتوازنات الداخل والخارج على صوت أحلامهم الصغيرة المجهضة. لم يكن ذلك قدرهم المحسوم حتما؛ لكن عزوف غالبيتهم لم يكن لعين أن تخطئه!!
أما في الضفة الأخرى، فإن خطاب الربيع الملتزم بالسلمية والوحدة والديموقراطية والعدالة، والمصر على عدم إسقاط “الدولة” أو المس بهيبتها، لم يزد تلك الفئة الثانية إلا إصرارا على شيطنة ومحاربة كل محاولة جدية للتغيير. إن سيكولوجية التعالي المسنودة بمكانة اجتماعية مريحة وحضور سياسي قريبا من أو ضمن دوائر القرار، وكذا “أوساخ” السلب والنهب العالقة بالأيادي والجيوب وأرصدة بنوك الخارج- بعضهم كانت أياديهم تقطر دما وآخرون كانت رائحة الجور تفوح من قراراتهم من الدلتا إلى الصعيد – قد دفعت هؤلاء نحو أقصى درجات الريبة والشك تجاه أصوات “التحرير” وباقي ميادين “أم الدنيا” الغاضبة. لم تناد الثورة قطعا بفتح الزنازين وتعليق المشانق بعد “مسرحيات” المحاكمات الصورية كما كان يحدث سابقا، إلا أن “أولي الأمر” لم يروا فيها سوى فوضى دبرها الأعداء وانساق خلفها الخونة والأراذل. هكذا تنكروا لكل مشترك من دين أو عرق أو لغة أو تراب أو ماء أو هواء، ونصبوا أنفسهم حماة للمعبد، وضربوا بقسوة في كل اتجاه، مستظلين بجيش وقضاء وعمائم وصلبان وأقلام وألحان باعت نفسها للشيطان، ناهيك عن”أصدقاء” الخارج المفعمين ارتباكا.
إن هذه القطيعة السيكو- ثقافية هي بالذات ما استعصى على الربيع المصري إدراكه. لم تستوعب الطبقة الوسطى- بمختلف فئاتها وتياراتها وآفاق تطلعاتها- وقد انتدبت نفسها للإضطلاع بمسؤوليتها التاريخية تلك، بعد المسافة بينها وبين طرفي المعادلة الآخرين، سواء في تشخيص المشاكل أو في تمثل الحلول.لم تعلم أبدا أن “المهمشين” سيخذلونها بصمتهم، وأن “المسؤولين القدامى” سيؤذونها كثيرا، لأنه ما زال في جعبتهم الكثير الكثير. وأغرب ما في المشهد اليوم، بعد مرور ثماني سنين تقريبا، هو أن كل فئة قد عادت إلى لعب نفس الأدوار السابقة وبإيقاع أشد وبخسائر أكبر، مع اتفاق ضمني على تحميل مفجري الربيع – بما في ذلك الشهداء والمعتقلون والمنفيون- خطيئة محاولة تغيير وضع صرخ المصريون في وجهه في محطات مختلفة مرددين “كفاية”!!
لا أعرف لم غابت فئات الطبقة الوسطى عن الفيلم، باستثناء إشارة عرضية في أحد مشاهد الاحتجاج؛ أما هنا فقد ارتأيت أن دورها في الأحداث إيجابا وسلبا، ومسؤوليتها عن بعض النجاح الذي تحقق والفشل الباهظ الثمن الذي آلت إليه الأمور، يحتاجان إلى حديث مستقل.
تمسون على “نوارة” أكثر وعيا وجرأة…تمسون على “أسامة بيه” أقل استئسادا ووقاحة..

صهيب الدبدوبي

أستاذ التاريخ والجغرافيا

المصدر
9 أبريل

اترك تعليقك حول الموضوع

Google Analytics Alternative
إغلاق