“لا أستطيع التنفس”.. آخر كلمات عبد الرحيم في القبضة المميتة للشرطة الإيطالية وشبهة العنصرية تثير القلق
لم تمر وفاة المهاجر المغربي عبد الرحيم فقير، البالغ من العمر 43 عاما، أثناء تدخل للشرطة بمدينة بولونيا الإيطالية، مرور الكرام، بعدما تحولت الواقعة إلى قضية رأي عام وأثارت موجة من الغضب والاحتجاجات، وسط مطالبات بفتح تحقيق مستقل ونزيه يكشف الحقيقة كاملة ويحدد المسؤوليات.
وبحسب المعطيات الأولية المتداولة، تدخلت عناصر الشرطة إثر بلاغ يفيد بوجود الضحية في حالة هيجان، قبل أن يتم استخدام رذاذ الفلفل وتقييده.
غير أن هذه الرواية تطرح، وفق أسرة الضحية وشهادات متداولة، علامات استفهام كبيرة، خاصة مع التأكيد على أن عبد الرحيم لم يبد، من خلال الفيديو، أي مقاومة تستدعي مثل هذا التدخل، الأمر الذي يفتح الباب أمام تساؤلات جدية حول مدى تناسب القوة المستخدمة مع الوضع الحقيقي الذي كان عليه.
والأكثر إثارة للقلق أن الواقعة بدأت تثير أيضا شبهات حول احتمال وجود خلفية عنصرية أو تمييزية في طريقة التعامل مع الضحية، وهي مزاعم يتعين على التحقيق المستقل والشفاف أن يحسم فيها بشكل واضح، بدل الاكتفاء بالتبريرات أو الروايات المتضاربة.
وزادت هذه التساؤلات حدة بعد تداول مقطع فيديو يظهر عبد الرحيم وهو يردد عبارة: “لا أستطيع التنفس” خلال عملية التوقيف، في مشهد يطرح أسئلة مؤلمة حول كيفية التعامل مع حالته، وما إذا كان قد تلقى المساعدة اللازمة في الوقت المناسب.
وفي ظل هذه التطورات، لم يعد الأمر شأنا عائليا أو محليا فقط، بل بات من المشروع التساؤل عن موقف السلطات المغربية من هذه القضية، خصوصا أن الأمر يتعلق بمواطن مغربي فقد حياته في ظروف تثير الكثير من علامات الاستفهام.
ومن هذا المنطلق، فإن تحرك الجهات المغربية المختصة للاستفسار عن ملابسات الواقعة ومتابعة مسار التحقيق، إلى جانب ضمان حقوق أسرة الضحية، سيكون خطوة ضرورية حتى لا يشعر أي مغربي بأن حياته أو كرامته يمكن أن تكون أقل قيمة خارج وطنه.
فالمطلوب ليس إصدار أحكام مسبقة، وإنما طرح الأسئلة والدفاع عن حق المواطن المغربي في معرفة الحقيقة.
كما أن أي شبهة تتعلق بالتمييز العنصري أو الاستخدام غير المتناسب للقوة يجب أن تخضع لتحقيق جدي ومستقل، لأن الصمت في مثل هذه القضايا قد يفتح الباب أمام الاعتقاد بأن “النفس المغربية رخيصة”، وهو أمر لا ينبغي أن يسمح بترسيخه بأي شكل من الأشكال.
وأعلنت النيابة العامة في بولونيا فتح تحقيق في القضية، مع إخضاع تسجيلات كاميرات الشرطة للفحص، في انتظار أن تكشف التحقيقات تسلسل الأحداث بدقة، وتوضح حقيقة ما جرى في تلك اللحظات الحاسمة.
كما شهدت بولونيا ومناطق إيطالية أخرى وقفات احتجاجية وإضرابا دعت إليه نقابة عمالية، في مؤشر على أن القضية تجاوزت حدود حادث فردي لتتحول إلى نقاش أوسع حول تعامل أجهزة الأمن مع المهاجرين، وحول ضرورة التصدي لأي شكل من أشكال التمييز أو المعاملة غير المتكافئة.
وفي انتظار نتائج التحقيق، تبقى الأسئلة الأكثر إلحاحا معلقة: هل كان عبد الرحيم يشكل فعلا خطرا يستدعي هذا التدخل؟ وهل أبدى أي مقاومة؟ وهل كانت القوة المستخدمة متناسبة مع وضعه؟ وهل لعبت خلفيته كمهاجر مغربي أي دور في طريقة التعامل معه؟
أسئلة تستحق إجابات واضحة، وتحقيقا لا يترك مجالا للغموض، وإذا أثبتت التحقيقات وجود تجاوز أو استخدام مفرط للقوة أو أي سلوك ذي دوافع عنصرية، فإن المحاسبة يجب أن تكون واجبة.
أما السلطات المغربية، فمن حقها وواجبها متابعة القضية والاستفسار عن ملابساتها، دفاعا عن كرامة مواطنيها، وحتى لا يتحول الصمت إلى رسالة مفادها أن حياة المغربي في الخارج لا تستحق الحماية والإنصاف.
