عامر ازغينو: سوق الشغل بالمغرب بين تصدير الكفاءات وحاجيات الاقتصاد الداخلي
بقلم: عامر ازغينو | رئيس الجمعية المغربية للنقل الدولي عبر القارات
التكوين، التوجيه، الجرأة”تحويل مفارقة التشغيل إلى فرصة وطنية”.
في الوقت الذي تواجه فيه عدة دول أوروبية خصاصا هيكليا في اليد العاملة، خاصة في قطاعات أساسية مثل النقل الطرقي، والصحة، والفندقة والمطاعم، إضافة إلى المهن التقنية، بدأت تتضح ملامح توجه جديد، أوروبا أصبحت تعتمد بشكل متزايد على استقطاب العمالة من الخارج.
ويعد المغرب من بين أهم البلدان التي تشكل خزّانا لهذه الكفاءات، سائقو الشاحنات، الممرضون، مساعدو التمريض، الطهاة، والعاملون في قطاع الفندقة… كلها مهن باتت مطلوبة بشدة وتستقطبها أسواق توفر أجورا أفضل.
ورغم أن هذه الظاهرة قد تمثل فرصة فردية لبعض العمال، فإنها تطرح سؤالا استراتيجيا بالنسبة لبلادنا: كيف نفسر أننا نصدر يدا عاملة نحن في أمس الحاجة إليها داخليا؟
في المقابل، يواجه المغرب مفارقة واضحة، فمن جهة، هناك قطاعات تعرف نموا متسارعا، وعلى رأسها قطاع السياحة الذي حقق أرقاما قياسية هذا العام، مع طلب متزايد على كفاءات مؤهلة مثل موظفي الاستقبال، وعمال الاستقبال، والطهاة، ومسيري المؤسسات السياحية.
ومن جهة أخرى، هناك آلاف الخريجين الشباب، الحاصلين غالبا على إجازات في الأدب الفرنسي أو الإنجليزي، أو في القانون، أو في تخصصات أخرى لا تتلاءم مع متطلبات سوق الشغل، ويجدون صعوبة في الاندماج المهني.
المشكلة لا تكمن في نقص الكفاءات بقدر ما تكمن في عدم ملاءمتها مع حاجيات الاقتصاد الفعلية، فهل نستمر في ترك هؤلاء الشباب في حالة انتظار، أم نعيد التفكير بسرعة في توجيههم؟
إن تكوينا تكميليا قصيرا، عمليا وموجها، قد يكون كافيا لتحويل خريج في الأدب إلى موظف استقبال ثنائي اللغة بكفاءة عالية، يستجيب لمتطلبات القطاع السياحي. وهذا مجرد مثال من بين أمثلة عديدة.
وينبغي أن يكون التفكير أوسع وأشمل، ففي العديد من الإدارات العمومية، يسجل نقص في الموارد البشرية، ما يؤثر على جودة الخدمات المقدمة للمواطنين، في حين يظل معدل بطالة الخريجين مرتفعا.
هذا التباين لم يعد مقبولا، ويفرض إصلاحا عميقا في طريقة التعامل مع قضايا التشغيل والتكوين.
بدل النظر إلى هؤلاء الخريجين كمشكلة، حان الوقت لاعتبارهم موردا استراتيجيا.
فمن خلال برامج تكوين سريعة وملائمة وموجهة نحو الحاجيات الحقيقية، مثل مجالات الصحة، واللوجستيك، والخدمات، والرقمنة، يمكن تحويلهم إلى يد عاملة مؤهلة وجاهزة للاندماج الفوري في سوق الشغل.
تبقى مسألة التكلفة مطروحة، إذ يخشى البعض أن لا تتوفر الدولة على الإمكانيات الكافية للتوظيف بشكل واسع، غير أن هذا التصور قصير النظر، فالتوظيف يعني ضخ القدرة الشرائية في الاقتصاد، وتحفيز الاستهلاك، وتشجيع الإنتاج، وجذب الاستثمارات، أي خلق دورة اقتصادية إيجابية قائمة على النمو والازدهار.
الخطر الحقيقي ليس في الاستثمار في التشغيل، بل في عدم القيام بأي شيء، ففي الوقت الذي نتردد فيه، تتحرك دول أخرى لاستقطاب كفاءاتنا.
إن المغرب يتوفر على طاقات بشرية هائلة، لا ينقصها الذكاء ولا الإرادة. ما نحتاجه اليوم هو رؤية واضحة، وجرأة سياسية، وقدرة على التحرك السريع.
الأمر لا يتعلق بإحداث ثورة شاملة بين عشية وضحاها، بل فقط بالجرأة على الانطلاق.
